محمد بن وليد الطرطوشي

221

سراج الملوك

وقال عبد الملك بن مروان « 1 » : قد قضيت الوطر من كل شيء ، إلا من محادثة الأخوان في الليالي الزّهر على العلالي العفر « 2 » . وقال عبد الملك : من قرّب السّفلة وأدناهم ، وباعد ذوي العقل وأقصاهم ، استحق الخذلان ، ومن منع المال من الحمد ورثه من لا يحمده . ومن الكلام الشريف قول الحكماء : ما أحوج ذا القدرة إلى : دين يحجزه ، وحياء يكفّه « 3 » ، وعقل يعدله ، وإلى تجربة طويلة ، وعبر محفوظة ، وإلى أعراق « 4 » تسري إليه ، وأعلاق « 5 » تسهّل الأمور عليه ، وإلى جليس رفيق ، ورائد شفيق ، وإلى عين تنظر العواقب ، وعقل يخاف الغير ، ومن لم يعرف يوم ظفر الأيام ، لم يحترس من سطوات الدهر ، ولم يتحفظ من فلتات الزلل ، ولم يتعاظمه ذنب وإن عظم ، ولا ثناء وإن سمج « 6 » ، وإذا رأيت من جليسك أمرا تكرهه ، أو خصلة لا تحبها ، أو صدرت منه كلمة عوراء « 7 » ، أو هفوة غبراء « 8 » ، فلا تقطع حبله ، ولا تصرم ودّه ، ولكن داو كلمه « 9 » ، واستر عورته ، فأبقه وأبرأ من عمله ، قال اللّه تعالى فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [ الشعراء : 216 ] فلم يأمر بقطعهم وإنما بالبراءة من عملهم السوء . قال الشاعر « 10 » : إذا راب منّي مفصل فقطعته * بقيت وما بي للنّهوض مفاصل ولكن أداويه فإن صحّ سرّني * وإن هو أعيا كان فيه تحامل

--> ( 1 ) عبد الملك بن مروان : الخليفة الأموي الخامس ، سبقت ترجمته . ( 2 ) الليالي الزهر : الصافية . والعلالي العفر : الأماكن البعيدة . ( 3 ) يحجزه : يكفه : يمنعه من ارتكاب المآثم . ( 4 ) أعراق : جمع عرق وهو مجرى الدم من الجسد . ( 5 ) أعلاق : نفائس أو صداقات . ( 6 ) سمج : قبح . ( 7 ) الكلمة العوراء : القبيحة الساقطة . ( 8 ) الهفوة الغبراء : الزلة أو السقطة الذاهبة . ( 9 ) داو كلمة : أي داو جرحه . ( 10 ) الشاعر هو محمد بن أبان الكاتب يكنى بأبي جعفر أديب حسن البلاغة كان يكتب لنصر ابن منصور بن بسام ثم اتهم بالزندقة فحبس في بغداد ثم أطلق ، ومن شعره هذه الأبيات ، وأوّلها : إذا أنا لم أصبر على الذّنب من أخ * وكنت أجازيه فأين التّفاضل ( انظر : الوافي بالوفيات 1 / 250 ) .